كيف تؤثر التغيرات المناخية على المحاصيل الزراعية بقنا؟

كيف تؤثر التغيرات المناخية على المحاصيل الزراعية بقنا؟ زراعات البرسيم والقصب- تصوير: أحمد طه

كتب- أحمد طه ومحمد مكي
هل يمكن للتغيرات المناخية بصعيد مصر أن تغير مسار الزراعة وتؤدي لاستبدال محاصيل بأخرى، مثل المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والقصب والذرة الشامية، حيث يعتمد أغلب المزارعين في قنا وأسوان على زراعة تلك المحاصيل والاستفادة منها على المستوى المادي والمعيشي.
شهدت مصر خلال السنوات الماضية بعض التغيرات المناخية التي رصدها كثير من المراكز البحثية الخاصة بالبيئة والزراعة من خلال تأثيرها على المحاصيل الزراعية وخاصة المحاصيل الاستراتيجية والمهمة والتي تعتمد عليها الدولة في الغذاء.
يقول الدكتور علي عبد الجليل، بكلية الزراعة جامعة سوهاج، إن التغيرات المناخية على المحاصيل الزراعية يكون تأثيرها واضح على المدى الطويل ولكن من خلال المدى القصير يكون التأثير غير ملحوظ.

زراعات الكرب بمركز الوقف بقنا- تصوير نور مبارك
زراعات الكرنب بمركز الوقف بقنا- تصوير نور مبارك

فترة التكوين

ويشير عبد الجليل إلى أن الزراعة تعتمد على عاملين أساسيين هما النظام الحراري وطول الفترة الضوئية في الليل والنهار، وعلى ذلك فإن التغير المناخي يتشكل بالنسبة للمحاصيل أو التربة في العاملين السابقين، حيث ارتفاع درجة الحرارة يؤدي إلى الجفاف وارتفاع درجة الرطوبة يؤدي لارتفاع نسبة الأملاح في الأراضي، وكل تلك العوامل السلبية تؤثر على الإنتاجية، فلكل نبات درجة حرارة معينة يحتاج إليها ليكون مؤهلًا للنضج، فهذا الارتفاع أو الانخفاض يؤثر على نمو النبات كمحصول كالقمح والذرة الشامية والقصب الذي يكون في فترة التكوين.
ويوضح الدكتور جمال محمد صيام، أستاذ الاقتصاد الزراعي بكلية الزراعة في جامعة القاهرة، أن التغيرات المناخية ستؤثر على الموارد الطبيعية المتاحة في مصر، خاصة على موردين أساسيين تتميز مصر بالندرة النسبية بهما، وهما موردا الأرض والمياه، الأمر الذي يؤدي إلى التأثير المباشر وبعيد المدى على قطاع الزراعة، حيث أن مؤشرات تدهور الأراضي في ظواهر تزايد مساحة الأراضي المصابة بالتملح، وارتفاع مستوى الماء وغيرها من ظواهر التصحر، وكلها تؤدي إما إلى خروج الأرض الزراعية من عملية الإنتاج الزراعي كلية أو إلى تناقص إنتاجية الأرض، لافتًا إلى أن مصر ستعاني من ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة، كما استنتجت الدراسات أن التغيرات المناخية ستؤدي مستقبلا إلى انعكاسات سلبية جوهرية على الإنتاجية القومية لمحصولي القمح والذرة.

زراعات الكرنب بمركز الوقف بقنا- تصوير نور مبارك
زراعات الكرنب بمركز الوقف بقنا- تصوير نور مبارك

التغيرات المناخية

ويضيف، بالنسبة إلى محصول الذرة فنتيجة للتغيرات المناخية تتوقع الدراسات أن يكون هناك نقص في المحصول يصل إلى 19%، إلى جانب الزيادة المتوقعة في الاستهلاك المائي، أما بالنسبة لمحصول القمح فنتيجة للتغيرات المناخية فتشير الدراسات لوجود تأثير سلبي لتغير درجات الحرارة على إنتاجية محصول القمح مستقبلا، حيث من المتوقع انخفاض الإنتاجية الفدانية للقمح بنحو 18% خلال عام 2050.
فيما أوضح الدكتور أيمن فريد أبو حديد، وزير الزراعة السابق، في دراسة أجراها عام 2009 عن توقعات أثر التغيرات المناخية على إنتاجية بعض المحاصيل، وفق ما أورده الأستاذ الدكتور محمد سيد حسن، بقسم المحاصيل بكلية الزراعة بجامعة جنوب الوادي، في بحثه عن تجنب الآثار السلبية للتغيرات المناخية على الإنتاج الزراعي في جنوب الوادي، أن محصول قصب السكر سينخفض صافي عائد الفدان منه تحت الظروف المناخية المستقبلية ليصل إلى 1846 جنيه مصري.
وبمقارنة هذا العائد مع العائد الحالي والذي يصل إلى 3316 جنيه مصري، نكون وصلنا إلى نسبة نقص حوالي 44 %، وهذا إذا كان المزارع يمتلك أرضه في حين أن نسبة النقص ستصل إلى 70 % إذا كان المزارع يؤجر الأرض (أي إذا خصمنا إيجار الأرض من صافي العائد).
إنتاجية محصول الذرة الشامية ستقل حوالي 19% بحلول منتصف هذا القرن (عند ارتفاع درجة الحرارة حوالي 3.5°م)، وذلك بالمقارنة بالإنتاجية تحت الظروف الجوية الحالية، وسيزداد استهلاكه المائي حوالي 8%، أما محصول الذرة الرفيعة سينخفض حوالي 19% والاستهلاك المائي له سيزداد حوالي 8%.
كما ستنخفض إنتاجية الطماطم حوالي 14.5% إذا ارتفعت درجة الحرارة 1.5ْ، ويصل الانخفاض إلى 51% إذا زادت درجة الحرارة 3.5م.
وأكدت الدراسة أن التغير المناخي سيؤدي إلى زيادة إنتاجية محصول القطن بنسبة 17% بارتفاع الحرارة درجتين، وتزداد إلى 31% إذا وصل إلى 4 درجات.

محصول القمح- تصوير أحمد طه
محصول القمح- تصوير أحمد طه

الاستهلاك المائي

وأوضح الدكتور محمد سيد في بحثه أن التوقعات تشير إلى زيادة الاستهلاك المائي لمعظم المحاصيل الزراعية بسبب ارتفاع درجات الحرارة ، حيث سيزداد الاستهلاك المائي لقصب السكر بحوالي 2.3%، والقمح 2.5%، والذرة الشامية 8 %.
منظمة الفاو العالمية
وتشير التقارير التي أصدرتها منظمة الفاو العالمية لعام 2017، أن جميع التقييمات الكمّية الحالية بشأن أن تغير المناخ سيؤثر سلبا على الأمن الغذائي في البلدان النامية، وخصوصا في أفريقيا، وسيزيد من اعتماد كثير من هذه البلدان على الواردات الغذائية.
وتشير التقديرات إلى أن تغير المناخ سيؤدي إلى انخفاض الإنتاج الزراعي بنسبة 30% خلال المائة عام القادمة، ففي مصر بلغ إنتاج القمح منذ عام 2015 و2016 ثبات في الإنتاجية بنسبة 9.0 من إجمالي إنتاج العالم للقمح، وفي عام 2017 انخفض إلى 8.8 بنسبة 2% عن العام الماضي، وتقدم المنظمة الطرق البديلة لمواجهة التغيرات المناخية وتأثيرها على المحاصيل، بحيث يمكن للمزارعين استخدام آليات التكيف التي تقاوم تغير المناخ من خلال أنشطة بعينها مثل استخدام أنواع المحاصيل المقاومة للجفاف أو الملوحة، واستخدام موارد المياه على نحو أكفأ، والتحسين في إدارة الآفات، ويمكن أن تشمل التغييرات في الأنماط الزراعية، تقليص استخدام الأسمدة وتطويــر إدارة الإنتاج، وتحسين الأعلاف وإدارة فضلات الماشية على نحو أفضل، إضافة إلى ذلك، يتعين على الحكومات الوطنية أن تضطلع بدور مهم في تطبيق سياسات استخدام الأراضي التي تحد من التوسع في أسلوب أحصد وأحرق، وبدلا من ذلك تشجع تربية الماشية على نحو مكثف، فضلا عن إتاحة مزيد من الفرص للعمالة في الريف.

شجر الليمون - تصوير محمد فكري
شجر الليمون – تصوير محمد فكري

المحاصيل الاستراتيجية

ويرى أحمد عبد الظاهر، مهندس زراعي، أن الطريقة المثلى لمواجهة الآثار السلبية الناتجة عن ارتفاع درجات الحرارة والتغيرات المناخية إنتاجية الأرض الزراعية في قنا، تتمثل في استنباط أصناف جديدة تتحمل الحرارة العالية والملوحة والجفاف، ويكون موسم نموها قصير لتقليل الاحتياجات المائية اللازمة لها، بالإضافة إلى تغيير مواعيد الزراعة بما يلائم الظروف الجوية الجديدة، و تقليل مساحة المحاصيل المسرفة في الاستهلاك المائي لها، خاصة قصب السكر والذي يعد من المحاصيل الاستراتيجية التي تشتهر بها المحافظة.
ويتابع عبد الظاهر، أنه يجب الاعتماد على محاصيل بديلة تعطي نفس الغرض ويكون استهلاكها المائي وموسم نموها أقل، مثل زراعة بنجر السكر بدلا من قصب السكر، لافتا إلى أن المحافظة بدأت بالفعل في تطبيق تلك الاستراتيجية الموسم الماضي بعد فشلها في التسعينيات ومن المتوقع نجاحها تلك المرة.
ويستكمل، أنه يجب حظر المبيدات والمخصبات الكيميائية في الزراعة، والاتجاه إلى البدائل الطبيعية والزراعة العضوية المستديمة، مثل إنتاج الأسمدة العضوية من المخلفات الزراعية والحيوانية المعالجة.
ويوضح عبد الفضيل عيد، أحد مزارعي البنجر بقنا، أن البنجر نبات غير مكلف في زراعته وموفر للماء والأسمدة، ويعتمد على النظام الحديث في الري “بالتنقيط”، وفترة زراعته في الأرض 6 أشهر بعدها يمكن زراعة أي محصول آخر، وهو بخلاف القصب الذي يستمر في الأرض طوال العام، كما يستهلك كميات قليلة من اليوريا، حيث يستهلك ما بين 80 إلى 90 وحدة أزوت، فيما يستهلك القصب 232 وحدة أزوت، فضلا عن أنه نبات صحراوي يتحمل نسبة ملوحة الأرض.

اختفاء بعض المحاصيل

ويؤكد عبد الرحمن سراج، مهندس زراعي، أن اختفاء القطن من محافظة قنا وحل محلها زراعات أخرى كالقصب، وفقا للبحوث الزراعية، يرجع إلى عوامل المناخ المختلفة والمتقلبة، بالإضافة إلى أنه يحتاج إلى مناخ ليس جافا، بعكس ما أصبح عليه جنوب الصعيد، موضحًا أن التغيرات المناخية ومنها درجة الحرارة والرطوبة الرياح، ودرجة السطوع الشمسي والصقيع غيرت الخريطة الزراعية في الجنوب.
ويناشد أدهم محمد، مهندس زراعي، الأجهزة المعنية بالدولة، بتدشين مشروعات تهدف إلى توفير تقاوي عالية الإنتاج، وأسمدة ومبيدات ومخصبات، وتقديم خدمات الحرث تحت التربة والتسوية بالليزر، وتوفير الأصناف الجديدة لمواجهة التغيرات المناخية وتأثيراتها السلبية على المجال الزراعي في الصعيد ومحافظة قنا.
وشدد محمد، على ضرورة توعية المزارعين وتدريبهم على طرق الزراعة الحديثة، لتوفير كميات المياه والأسمدة والمبيدات المستخدمة، والتقليل من غازات الاحتباس الحراري، بالإضافة إلى توعية المزارعين وتدريبهم على كيفية أقلمة زراعة المحاصيل الزراعية المختلفة تحت ظروف المناخ الحالية والمتوقعة، من حيث مواعيد الزراعة المناسبة، والأصناف المستخدمة، والعمليات الزراعية المختلفة من حرث وري وتسميد ومكافحة الأمراض والآفات.

الوسوم