حوار| مونيكا حنا: لا أسعى للوزارة وأعمل على بناء جيل مؤهل من الأثريين بالصعيد

حوار| مونيكا حنا: لا أسعى للوزارة وأعمل على بناء جيل مؤهل من الأثريين بالصعيد مونيكا حنا ـ أرشيفية

الدكتورة مونيكا حنا واحدة من ألمع الأكاديميات في علم المصريات، سطع نجم باحثة المصريات الشابة في الإعلام المصري والعالمي عندما ترأست فريقًا من الأثريين المتطوعين لإنقاذ مقتنيات متحف ملوي الإقليمي بمحافظة المنيا الذي تعرض للسرقة والنهب عقب فض اعتصام رابعة العدوية والنهضة إبان ثورة 30 يونيو؛ لتكرمها منظمة اليونسكو بجائزة “سيدة الآثار” تقديرًا لدورها، كما رشحتها دوائر لتولي وزارة الآثار، وتتبنى “حنا” فكرًا مغايرًا في عملها حيث ترى أن أزمة إدارة منظومة الآثار تتركز في التعليم ولذلك اتجهت لتأسيس كلية الآثار ووحدة التراث الحضاري بالأكاديمية البحرية في أسوان وهي إحدى مؤسسات جامعة الدول العربية، وعقدت شراكة علمية مع جامعات كولون الألمانية وجنوه الإيطالية وأكسفورد البريطانية.

*الظاهر أن علم الآثار والعمل الأثري ذكوري في مصر، لم يلمع نجم أي من العاملات في مجال التنقيب أو التفتيش أو الجامعات رغم وجود نسبة كبيرة من الإناث العاملات في الآثار ككل.. ما تفسيرك؟

هذه مشكلة كبيرة تكمن في الإعلام الذي لا يسلط الضوء على النماذج النسائية في علم المصريات سواء في الجامعات أو الوزارة وإن كانت الأخيرة تفرض شروطًا على العاملين فيها مما لا يسمح بظهورهن في وسائل الإعلام رغم كونهن معروفات للعاملين في حقل الآثار، وكتجربة شخصية لي فقد تتلمذت على يد الدكتورة فايزة هيكل والدكتورة سليمة إكرام أثناء دراسة البكالوريوس، كما أن هناك أخريات بارعات في تخصصهن أمثال الدكتورة نهاد كمال الدين والدكتورة منى حجاج والدكتورة علا العجيزي.

د. مونيكا حنا ـ تصوير أحمد دريم
د. مونيكا حنا ـ تصوير أحمد دريم

*كيف ترين أحوال المرأة المصرية بشكل عام هذه الأيام؟

هناك حراكًا كبيرًا منذ فترة على المستويين الرسمي والشعبي لتمكين المرأة اقتصاديًا وسياسيًا، وهو ما لم تشهده مصر منذ فترات طويلة وهي مجهودات محمودة لحكومات ما بعد ثورة 30 يونيو، ونحتاج إلى المزيد من الخطوات لتحسين أحوال المرأة المصرية لتكون شريكًا فاعلًا في التنمية.

*هناك من يشكك في حجم المكتشفات الأثرية المعلن عنها في الفترة الأخيرة.. ما رأيك؟

بعض المكتشفات المعلن عنها في وسائل الإعلام جرى اكتشافها أو إعلان نتائج الحفريات فيها بالفعل في الفترة الأخيرة، ولكن البعض الآخر لم يتم تحرِ الدقة في تتبعها. وهنا لابد أن أذكر أن علم الحفائر يقوم على جهود الجماعة أو الفريق العلمي الذي يعمل بشكل منظم، فلا يجب أن تنسب الاكتشافات أو يتم إعلانها من قبل شخص واحد! وكأن آثار مصر هي مقابر الموتى فقط.

*متى تنتهي ريادة الأجانب لعلم المصريات وخاصة في مجال بعثات التنقيب؟

هذا مرهون بالتخلي عن “عقدة الخواجة”، وبالتزامن عندما يكون لدينا جامعات وأبحاث ومكتبات أثرية على مستوى عال وبنفس إمكانيات الجامعات في الخارج، مع تدريب أثري حقيقي لطلاب كليات الآثار وهذا ما نحاول أن نفعله في كلية الآثار والتراث الحضاري بالأكاديمية العربية في أسوان، كما أنني أرى أنه لا يجب التركيز فقط على التنقيب ولكن يجب المحافظة على ما تم اكتشافه وإتاحته للباحثين ونشره علميًا من خلال منظومة جديدة للبحث العلمي في مجال الآثار.

*تواجه المرممات الإناث في محافظات الصعيد المتحفظة الكثير من المعوقات.. ما الحلول؟

العمل بترميم الآثار عملًا ليس قاسيًا، كما أنني أري أن المشكلة ليست جندرية، المشكلة الحقيقة أنه لا يوجد معامل لتدريب وبناء قدرات العاملين في مجال الترميم ذكورًا وإناث.

*تتخذ مونيكا حنا مقعدًا في ركن المعارضين ـ طوال الوقت، لإدارة منظومة الآثار في مصر.. ما أسبابك؟

لا أعتقد أن الدفاع عن حماية المواقع الأثرية من التعديات وسرقات الآثار هو في ركن المعارضين، بل بالعكس، نحن في مقعد المؤيدين للحفاظ على الآثار والمحافظين على إرث الأجيال القادمة من التراث الثقافي والذي يجب ألا تحكم المصالح الحالية عليه بالإعدام مثل تسليم التلال الأثرية، وإقامة المعارض بثمن بخس لكي يذهب أحدهم لإلقاء المحاضرات فتخدم الآثار كلها شخص واحد، إضافة للترميم الخاطئ بدون سند علمي.
إن من يجلس في ركن المعارضين للآثار المصرية هم أصحاب المصلحة في تدمير التراث المصري من أجل المناصب أو بعض المآرب الأخرى، ولذلك تركز جميع الجهات الرقابية بشكل دوري لملاحقة من تسول له نفسه التعدي أو السرقة أو إفساد هذا الإرث المصري المهم.

د. مونيكا حنا ـ أرشيفية
د. مونيكا حنا ـ أرشيفية

*رشحتك دوائر لتولي حقيبة الآثار قبل تشكيل الحكومة الحالية ولم يحدث.. ما هي خطتك لو شغلت هذا المنصب؟

أنا مدينة بالشكر لكل من رشحني ووثق بي لتولي هذا الموقع، ولكنني اخترت عن قناعة أن أخدم بلدي في العمل الأكاديمي إيمانًا مني أن إصلاح حال الآثار يبدأ من التعليم والبحث العملي أولًا وقد بدأت تنفيذ هذا الإصلاح من جنوب الوادي من خلال عملي.
وفي كل الأحوال فإن وزارة الآثار لا يجب أن تدار فرديًا، يجب أن يدرها هيئة من العلماء والباحثين المشهود لهم بالكفاءة والأمانة العلمية على غرار المعمول به في الحكومات الأوروبية؛ فمثلا في إيطاليا لا توجد وزارة مختصة بالآثار توجد هيئة تدير المنشأت الأثرية والسياحية وتراقب أداء المسؤول التنفيذي المنوط بالصلاحيات.

*كيف نلاحق التطور الكبير الذي طرأ على علم المصريات في الخارج سواء في المعدات أو الكوادر؟

التعليم ثم التعليم ثم التعليم والتدريب العملي والبحث العلمي السليم، لا يصح أن يتخرج طالب من كلية الآثار بغير أن يكون تعلم أساليب الحفائر السليمة والترميم الحديث عمليًا من خلال بعثات لتدريب الطلبة على الحفائر المشتركة مع وزارة الآثار في بعض الأماكن الأثرية المحددة، وأن يتقن على الأقل لغتين أوروبيتين.
ويجب العمل على تدريب الكوادر العملية المدربة من الأثريين لإدارة المتاحف الكبرى الجاري إنشائها، حتى لا نفاجئ بافتتاح هذه المتاحف مع عدم توافر كوادر مدربة بالشكل المناسب لإدارتها. هنا نقارن هذه المتاحف باللوفر والمتروبوليتان، ويجب أن نصل بكوادرنا لهذا المستوى، المتحف ليس مبنى وقطع أثرية ولكن مؤسسة تعليمية ومركز بحثي وعلينا أن ننقل تجارب المتاحف الدولية وخاصة متحف تورينو للمتاحف المصرية.
العالم اليوم يركز على الدراسات المعمقة في شتى المجالات، ولذلك يجب أن يتم إدخال Interdisciplinary Studies أيضا بشكل كبير في مجال الآثار وهذا ما نعكف عليه في برامج الدراسات العليا الآن بكلية الآثار والتراث الحضاري بالأكاديمية العربية بأسوان.

*كنت من المتحفظين على فكرة استغلال المواقع الأثرية اقتصاديًا كمورد للوزارة.. ما السبب؟

بالعكس، أنا أعتقد أنه يجب التركيز على تعظيم الاستفادة من اقتصاديات الآثار والتراث الحضاري ولكن بما يحافظ على المواقع الأثرية، فمن غير المعقول تأجير بعض الأماكن الأثرية لإقامة الأفراح مع عدم وجود تشريع وضوابط تحافظ على المال العام وعلى الموقع الأثري وهيبته.

*كيف نوقف تهريب الآثار.. هل نحتاج إلى تشريعات جديدة؟

يجب الأخذ بتجربة الشرطة الإيطالية من خلال استحداث وحدة لجرائم التراث يكون ممثل فيها وزارة الداخلية والقوات المسلحة والمخابرات العامة ووزارة الآثار والثقافة والأوقاف وممثل عن الكنيسة القبطية، للتحقيق في الجريمة الدولية لسرقات الآثار المصرية من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة للبحث الجنائي المحلي والدولي لشبكات التنقيب والتهريب وتأمين المواقع الأثرية والمتاحف والمخازن من خلال منظمة تأمين حديثة، بالإضافة للاهتمام برفع كفاءة العنصر البشري وزيادة أعدادهم، وذلك بالتزامن مع حملات توعية واسعة تقوم بها جميع أجهزة الدولة الإعلامية والتعليمية.

*من هي د. مونيكا حنا

ــ تنتمي لمركز مطاي بمحافظة المنيا وهي حفيدة مرقص جرجس أحد أعيان المنيا في القرن الـ19.
ــ درست علم المصريات بالجامعة الأمريكية بالقاهرة.
ــ حصلت درجة الدكتوراه من جامعة بيزا الإيطالية سنة 2010 وهي في الـ27 من عمرها.
ـ عملت كباحث أثري بقسم علم المصريات والآثار الأفريقية بجامعة همبولدت ببرلين سنة 2011.
ــ حصلت على جائزة “سيدة الآثار” من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) تقديرًا لدورها في إنقاذ مقتنيات متحف ملوي بمحافظة المنيا.
ــ رشُحت لتولي وزارة الآثار مرتين.
ــ حصلت على جائزة “الآثار للجميع” من الولايات المتحدة سنة 2014.
ــ حصلت على جائزة “الخريجة المتميزة” مرتين من الجامعة الأمريكية بالقاهرة ونيويورك سنة 2015.
ــ أسست كلية الآثار ووحدة التراث الحضاري بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري.
ــ تتولى عمادة كلية الآثار ووحدة التراث الحضاري بفرع الأكاديمية في أسوان.
ــ متزوجة من باحث المصريات الإيطالي الجنسية الدكتور دانيال بسالفودي ولديها طفلة 4 سنوات.

الوسوم