بعد إنفاق ربع مليون جنيه.. الإهمال الطبي يبدد حلم “خيري” في الحياة

بعد إنفاق ربع مليون جنيه.. الإهمال الطبي يبدد حلم “خيري” في الحياة رحلة محمد خيري مع زراعة الكلى والإهمال الطبي

كتب: أبو المعارف الحفناوي
تصوير: بسام عبد الحميد

دمّر المرض حياته، وبعد أن كان متفوقًا دراسيًا، يحلم بتحقيق حلمه أن يصبح طبيبًا، لعلاج المرضى من الآلام، اكتشف إصابته بضمور في الكليتين، عندما كان في الصف الثاني الثانوي، وهي السنة التي حقق فيها لقب الطالب المثالي، وكانت أول جلسة غسيل له مع أول أيام الامتحانات، لتبدأ معاناته مع المرض، وقصته التي تعد من أسوأ القصص في زراعة الأعضاء، نتيجة الإهمال الطبي.
محمد خيري أو كما يُطلق عليه محمد أبوخليل، من مواليد 1986 بقرية الحامدية التابعة لمركز دشنا، كان مجتهدًا دراسيًا، والتحق بالقسم العلمي في الثانوية العامة، وقبيل الامتحانات بأسبوع، وتحديدًا في 2003، اكتشف مرضه بفشل كلوي، وذهب إلى الطبيب وبدأ رحلة علاج استمرت 15 جلسة غسيل كلوي، وحصل على 50 % في الصف الثاني الثانوي.

محمد خيري مريض قام بزراعة الكلى، قرية الحامدية شرق نيل نجع حمادي- 2 أبريل 2019
محمد خيري مريض قام بزراعة الكلى، قرية الحامدية شرق نيل نجع حمادي- 2 أبريل 2019

حياته الطبيعية

شعر المجتهد وقتها أن حلمه ضاع، وأثر ذلك عليه نفسيًا، ولم يذهب بعدها للمدرسة لمدة عامين، بالرغم من أنه شُفي نسبيًا وكان يُمارس حياته بشكل طبيعي بعد جلسات الغسيل، وبعد عامين عاد مرة أخرى إلى المدرسة، وحوّل من القسم العلمي إلى القسم الأدبي وحصل وقتها على 93.5 %.
التحق محمد بعدها بمعهد فني تجاري، وبعد تخرجه سافر إلى ليبيا في 2009 للعمل هناك في مهنة “النقاشة” لمدة قاربت 3 سنوات، وفي 2012، وقبيل مغادرته ليبيا بيومين، شعر بالإعياء، وكان يمر بالصدفة أمام مستشفى هناك، وبعد توقيع الكشف الطبي عليه، أخبره الطبيب هناك، أنه يُعاني من ضمور في الكليتين.
عاد إلى مصر بعدها، وفور وصوله قص على أهله ما حدث، ووقتها بدأ الأب الذي يعمل مزارع، يشعر بالخوف على فلذة كبده، وقرر أن يتبرّع له بكليته، في محاولة ليُنقذ ابنه الشاب من المرض.

محمد خيري مريض قام بزراعة الكلى، قرية الحامدية شرق نيل نجع حمادي- 2 أبريل 2019
محمد خيري مريض قام بزراعة الكلى، قرية الحامدية شرق نيل نجع حمادي- 2 أبريل 2019

رحلة معاناة الأسرة

سافر الأب المكلوم، مع نجله إلى مركز الدكتور محمد غنيم للكلى في المنصورة، بعد أن سأل أكثر من شخص ومتخصص على مكان لعلاج ابنه من هذا المرض، وبدأت رحلة معاناة الأسرة بأكملها، لم تقتصر المعاناة على إصابة نجلهم بهذه المرض فقط، بل على مشقة السفر قرابة 12 ساعة من نجع حمادي إلى المنصورة والعكس بالإضافة إلى الإقامة لفترة قاربت شهر هناك، وأيضًا معاناة تدبير تكلفة العملية، وقتها شعر الأب بأن الدنيا كلها ضاقت من حوله، راضيًا بقضاء الله وقدره، ولا يكف الدعاء لعلاج، حتى يرى ابنه كما كان عليه من قبل.

خيري خليل والد محمد خيري مريض قام بزراعة الكلى، قرية الحامدية شرق نيل نجع حمادي- 2 أبريل 2019
خيري خليل والد محمد خيري مريض قام بزراعة الكلى، قرية الحامدية شرق نيل نجع حمادي- 2 أبريل 2019

بدأت رحلة العلاج في 2012، وتمثلت تارة في حصوله على جلسات الغسيل وتنقله من مكان إلى آخر، سواء في مستشفيات حكومية أو مستشفيات خاصة، وتارة أخرى في الذهاب إلى المنصورة بشكل مستمر، لمتابعة عملية زراعة الكلى، وكان الأب يحصل على العلاج لمدة قاربت سنة، قبل التبرع لابنه.

التبرع والسمسرة

الصدمة أصابت المريض ووالده، بعد أن أوضح لهم الطبيب المعالج بمركز المنصورة، أن الأب لن يستطيع التبرع بكليته لنجله، بسبب وجود أجسام مضادة عند الابن، ولا يمكن إجراء العملية هنا، بسبب عدم وجود متبرع، ومنها تم تحويله بـ” شكل غير مباشر” إلى معمل بالقاهرة، وهناك ساعده الطبيب في المعمل، للحصول على متبرعة، وهي فتاة تبلغ من العمر 24 عامًا، بالإضافة إلى إنهاء كافة الإجراءات، ومنها موافقة الصحة بعد ذهاب المتبرعة والمريض والأب إلى إدارة زرع الأعضاء بوزارة الصحة مرة واحدة فقط، ودفع مبلغ 1000 جنيه، وتوقيع المتبرعة بالموافقة على التبرع.
الطبيب الموجود في المعمل، وفقًا لتصريحات المريض، كان مهمته إنهاء كل شيء، كنوع من “السمسرة”، والحصول على مبلغ 130 ألف جنيه، وإحضار متبرعة، وإنهاء التصاريح اللازمة لإجراء العملية.
تنقل المريض على عدة مستشفيات قبل إجراء العملية، وفقًا لتعليمات طبيب معمل التحاليل، منها بيت الفضل في المقطم، والشيخ زايد، واستقر بهم الحال في مستشفى مصر الدولي لإجراء العملية هناك، وبعد دخوله المستشفى بثلاثة أيام، أخبروه بأنه سيجري العملية في 6 أبريل 2014.

محمد خيري مريض قام بزراعة الكلى، قرية الحامدية شرق نيل نجع حمادي- 2 أبريل 2019
محمد خيري مريض قام بزراعة الكلى، قرية الحامدية شرق نيل نجع حمادي- 2 أبريل 2019

إجراء العملية

اقترض الأب من شقيقه 10 آلاف جنيه لتكملة المبلغ، بعد رفض “طبيب التحاليل” إدارة المستشفى إجراء العملية إلا بعد دفع المبلغ بالكامل، والعمل على توفير وحدة سكنية معقمة بالقرب من المستشفى، للسكن بها بالقرب من المستشفى لمتابعة الحالة، بعد إجراء العملية.
وبعد إجراء العملية دخل الابن في غيبوبة، وبعد أسبوع من إجرائها اكتشف أن الكلية التي تم زرعها غير صالحة، بعد أن أفرز مكان إجراء العملية، مياه، ومن هنا بدأت رحلة معاناة مرة أخرى، لم تكن في حُسبان الأسرة، استمرت قرابة 6 أشهر، لمعالجة ما حدث.
شراء أدوية ومصاريف خاصة، منها السكن والانتقالات، وصل إلى أكثر من 150 ألف جنيه، لم يكن ذلك في حسبان الأسرة، التي باعت معظم ما تملك، من أجل علاج الابن، فضلًا عن عمل أشقائه في ليبيا وإرسال ما يتقاضون نظير الغربة إلى أبيهم لاستكمال العلاج.
وبعد 6 أشهر، من المعاناة طلب منه الأطباء تغيير الدعامة في المطرية، ودفع مبلغ 9 آلاف و500 جنيه، وتم حجزه لمدة شهر في مستشفى آخر، وكان يشتري علبة المحلول بمبلغ خمسين جنيها، وكان يحتاج من 5 إلى 10 علب يوميًا، بالإضافة إلى تغيير 3 دعامات أخرى، بسعر وصل لقرابة 30 ألف جنيه، في محاولة من الأطباء، علاج ما حدث بسبب زرع كلى غير صالحة بـ”حالبين”، وفقما أشار الأطباء للمريض.


الإهمال الطبي

لم تفلح محاولات الأطباء في علاج المريض، وبعد أخذ عينة من الكلى بعد إصابتها بالنزيف، تم تحويله إلى مستشفى القصر العيني، ووقتها طالب الأطباء باستئصال الكلى التي تم زرعها.
تقدّم الأهالي بشكوى في النيابة العامة بالدقي، يتهمون الطبيب الذي زرع الكلى بالإهمال الطبي والنصب، وتم عرض المريض على الطب الشرعي، ولم يحصل حتى الآن على قرار رسمي في القضية المنظورة، وفقًا لوالد المريض.
وبعد 3 سنوات من إجراء العملية، ومصاريف قاربت نصف مليون جنيه، وتحديدًا في فبراير 2017 تم استئصال الكلية مرة أخرى في القصر العيني، لعدم القدرة على إجرائها في مستشفى خاص، وقبل إجراء العملية حصل على 7 أكياس من الدم، واستمر بعد إجراء قرابة 22 يومًا، داخل المستشفى.

تقرير طبي خاص بمحمد خيري مريض قام بزراعة الكلى
تقرير طبي خاص بمحمد خيري مريض قام بزراعة الكلى

جلسات الغسيل الكلوي

واصل المريض جلسات الغسيل الكلوي، التي كان لا يتمنى أن يعود مرة أخرى، ولا ينوي أيضًا إجراء عملية أخرى أو البحث عن متبرع نتيجة ما حدث له، في المرة السابقة، وهو الآن تزوّج منذ قرابة ثمانية أشهر، ولم يؤثر ذلك على حياته الزوجية، ويمارس عمله في صيانة المحمول، حتى يكسب قوت يومه، ويستطيع تدابير حياته المعيشية، بالرغم من كل ما حلّ عليه من آلام، واصفًا رحلته العلاجية التي باءت بالفشل، بأن هناك عصابة لزراعة الأعضاء هي التي حالت دون إتمام شفائه.
ويقول هشام سعد، المدرس المساعد بكلية الطب جامعة الأزهر، إن مريض الفشل الكلوي سواء كلى واحدة أو الكليتين، من الممكن أن يعيش لفترة، لكن يستلزم ذلك عمل غسيل كلوي لمدة 3 مرات أسبوعيًا، بالإضافة إلى الحصول على العلاج اللازم من دم وكالسيوم وحديد وفيتامين “د”.
ويُشير إلى أن الكليتين الطبيعتين، لهما وظائف عديدة، من إزالة السموم وتكوين كرات الدم، ومع فشل وظائفهما، على المريض أن يحصل على العلاج بشكل منتظم ومستمر، موضحًا أن المريض من الممكن أن يزرع كلى أخرى بعد فشل زراعة الكلى التي قام بزرعها بسبب وجود أجسام مضادة وغيرها.
ويُلفت أن المريض المصاب بالفشل الكلوي، يكون أكثر عرضة للجلطات وعدم الاتزان والشد العضلي، فضلًا عن تأثير المرض على الحياة الزوجية، والتي منها ضعف جنسي وعدم انتصاب بشكل مستمر مقارنة بالإنسان العادي.

تقرير طبي خاص بمحمد خيري مريض قام بزراعة الكلى
تقرير طبي خاص بمحمد خيري مريض قام بزراعة الكلى
تقرير طبي خاص بمحمد خيري مريض قام بزراعة الكلى
تقرير طبي خاص بمحمد خيري مريض قام بزراعة الكلى
تقرير طبي خاص بمحمد خيري مريض قام بزراعة الكلى
تقرير طبي خاص بمحمد خيري مريض قام بزراعة الكلى
الوسوم