“ملك وسارة” طالبتان تبتكران فلتر مياه من النباتات الطبيعية

“ملك وسارة” طالبتان تبتكران فلتر مياه من النباتات الطبيعية

سارة نبيل، 15 عاما، وملك جمال، 16 عاما، طالبتان بالصف الأول الثانوي بمدرسة عائشة حسانين بمحافظة الفيوم، ابتكرتا فلتر مياه من النباتات الطبيعية يعمل على تنقية مياه الشرب من البكتيريا، وتقدمتا به في معرض آيسف للعلوم والهندسة 2019، الذي نظمته جامعة الفيوم في ديسمبر الماضي.

بدأ الأمر بالنسبة للطالبتين بمجرد صدفة، أثناء تواجدهما في حمام المدرسة لغسل أيديهما قبل تناول الطعام، خلال “الفسحة”، فلاحظتا أن المياه شديدة العكارة ولونها غير طبيعي، ومن هنا قررتا العمل على مشروع لتنقية مياه الشرب، من خلال بحث بعنوان “مياه أفضل لحياة أفضل”.

والمياه النظيفة تمثل الهدف السادس، إضافة إلى التعليم الجيد الذي يمثل الهدف الرابع، من أهداف التنمية المستدامة الـ17، للأمم المتحدة، وتشارك “ولاد البلد” لتحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030، وفق بروتوكول تم توقيعه مع الأمم المتحدة، في 17 يونيو 2019.

الطالبتان سارة وملك مع مسؤولة البحث العلمي بمدرستهما- تصوير: ايمان عبد اللطيف
الطالبتان سارة وملك مع مسؤولة البحث العلمي بمدرستهما- تصوير: ايمان عبد اللطيف

وجدت الطالبتان ضالتهما في وحدة التكنولوجيا والتعليم بالمدرسة من خلال مسؤولة الوحدة إيمان أحمد عبد الفتاح، التي تعمل أيضا مسؤولة البحث العلمي بالمدرسة، حيث تقول إن مهمة المدرسة نشر ثقافة البحث العلمي بين الطلاب، خاصة قبل بدء مشروعات “آيسف”، وتقديم الدعم والمساعدة وإعداد ورش عمل للطلاب وإرشادهم عن طريق المتخصصين للإشراف واستكمال أبحاثهم بشكل علمي، فضلا عن توجيه الطالبتين لكلية العلوم بجامعة الفيوم ليتم البحث تحت إشرافها.

بدأت الطالبتان مشروعها البحثي، من خلال الاطلاع على أبحاث أخرى، حيث قادهما البحث إلى أن أكثر أنواع البكتيريا انتشارا في المياه هي ستافيلوكوكس staphylo cocaus  وهي بكتيريا عنقودية تسبب العديد من الأمراض وتشكل خطورة على صحة الإنسان.

بكتيريا ستافيلوكوكس- تصوير: ايمان عبداللطيف
بكتيريا ستافيلوكوكس- تصوير: ايمان عبداللطيف

وبحسب سارة، فقد وجدت هي وزميلتها أن فلتر المياه العادي من الممكن أن يسبب أضرارا للإنسان فيما بعد، لأنه يعزل الأملاح التي قد يحتاج جسم الإنسان إلى معظمها، كما أنه لا ينقي المياه من البكتيريا بنسبة جيدة، لذا ومن خلال الأبحاث اكتشفنا أنه يمكن تقليل نسبة البكتيريا الموجودة في مياه الشرب من خلال نباتات طبيعية، لأن هذه البكتيريا قد تسبب أمراضا للإنسان كالفشل الكلوي والتهابات الكبد.

ضرورة ملحة

ومن خلال التعرض للأبحاث الدولية في مجال تنقية المياه، اكتشفت الطالبتان أن الدول تتقدم في خطوات تنقية المياه من خلال استخداث آليات جديدة ومستمرة، الأمر غير الموجود في مصر، فبحسب الجمعية العالمية المنظمة للمياه، فإن نسبة تلوث المياه في مصر تمثل ثلاثة أضعاف النسبة الطبيعية لها، وفق الطالبة سارة.

أخيرا انتهت مرحلة تحديد المشكلة، وبدأت سارة وملك في التوصل لحلول عملية للقضاء على تلوث المياه، حيث قادهما البحث إلى أن “نباتات زنبق الماء والبوص وشجرالصنوبر يمكنها تنقية المياه من البكتيريا تماما”، كما اكتشفتا أن “عود من خشب الصنوبر- لا يتجاوز طوله 3 سم – يكفي للقضاء على 99% من نسبة البكتريا الموجودة في المياه العذبة”.

الطالبة سارة- تصوير: ايمان عبداللطيف
الطالبة سارة- تصوير: ايمان عبداللطيف

أصبح المشروع جاهزا نظريا، فجميع النباتات التي يحتاجها البحث متوفرة في مصر وبتكلفة قليلة، ومن هنا وجهت الطالبتان أبحاثهما نحو ابتكار شمعة فلتر من مواد طبيعية، بدلا من الشمعة التقليدية المستخدمة في المنازل، التي يتم تغييرها دوريا بتكلفة مستمرة.

“كان القرار هو ابتكار شمعة من مكونات طبيعية وبسعر غير مكلف يناسب الجميع، وقد وجدنا أنها التكلفة الإجمالية للشمعة لا تتجاوز 20 جنيها، وسيقضي هذا الفلتر الطبيعي على البكتيريا بنسبة 100%” تقول الطالبة ملك.

وتحت إشراف أساتذة من كلية العلوم بجامعة الفيوم، بالتنسيق مع مدرستهما، بدأت الطالبتان أبحاثهما، “تأكدنا من نجاح النباتات في القضاء على البكتيريا الموجودة في المياه”.

مخطط عن مشروع تنقية المياه- تصوير: ايمان عبداللطيف
مخطط عن مشروع تنقية المياه- تصوير: ايمان عبداللطيف
نجاح التجربة

وتشير الطالبتان إلى أنه بعد نجاح التجربة، “سنتجه إلى مرحلة التصنيع، وسنأخذ المواد المستخلصة من النباتات، ونذهب لمصنع ليجففها ويصممها على هيئة شمعة فلتر، ومن هنا تطبق التجربة بشكل عملي وتجاري”.

“مياه أفضل لحياة أفضل”، هو مشروع الطالبتين، وتعلق عليه إيمان أحمد عبد الفتاح، أخصائي أول تكنولوجيا وتعليم بمدرسة عائشة حسانين الثانوية بنات – إدارة شرق الفيوم التعليمية، ومسؤول البحث علمي بالمدرسة، قائلة إنها فكرة علمية ممتازة لتنقية المياه بإمكانيات قليلة، وقد حددنا في البداية المشكلة قبل البدء في المشروع، ثم حددنا مكان تنقية المياه سواء عذبة أو مالحة، وبعد نجاح التجربة شاركنا في المعرض المحلي “آيسف” لعام 2019، وكان مشروع الطالبتين من ضمن المشروعات المقدمة في المعرض.

ومعرض آيسف للعلوم والهندسة، يشجع الطلاب على البحث في مراحل الإعدادية والثانوية، والتعليم ماقبل الجامعى، فهو يهيئ الطالب للجامعة ويجعله متلقيًا وباحثًا جيدا بعد التخرج.

دعم جامعة الفيوم

الدكتورة أسماء خميس أمين، مدرس التصنيف والفلورا بقسم النبات بكلية العلوم جامعة الفيوم، كانت مشرفة البحث، تشير إلى أن كلية العلوم احتضنت الطالبتين لاستكمال البحث العلمي والإشراف عليه، حيث كان في استقبالهم الدكتور عرفه صبري، عميد الكلية، الذي قام بتشجيعهم وكلفني لأكون مشرفة هذا البحث.

الطالبتان مع الدكتورة أسماء خميس مشرفة البحث- تصوير: أيمان عبداللطيف
الطالبتان مع الدكتورة أسماء خميس مشرفة البحث- تصوير: أيمان عبداللطيف

وأضافت مدرس التصنيف والفلورا، “وفرنا للطالبتين المعامل، والبكتيريا ومعلومات عن النباتات المستخدمة وكيفية التعامل معها داخل المعمل، وميكروسكوبات الفحص، وطبقنا أكثر من تجربة وتم التأكد من نجاحها، أما جزء التصنيع فتختص به قطاعات أخرى”.

وتشير أمين، إلى أن البحث العلمي المقدم من الطالبتين، هدفه القضاء على نوع مُعين من البكتيريا الأكثر انتشارًا في المياه وهي بكتيريا ستافيلوكوكس، من خلال نباتات على هيئة فلتر مياه، كنوع من المكافحة البيولوجية، وفكرة البحث قابلة للتطوير العملي، فهي فكرة إيجابية خاصة أن يهتم بها طلاب في مثل هذا السن.

وتوضح مشرفة البحث، أن بكتيريا ستافيلوكوكس تسبب العديد من الأمراض على صحة الإنسان، ومنها احتمالية الإصابة بالإلتهاب الرئوي، والتهاب العظام والمفاصل والتهاب عضلة القلب.

الاستنتاجات النهائية للبحث
الاستنتاجات النهائية للبحث

وتلفت إلى أن فلتر الطبيعة ينقي المياه من الأملاح، فليس كل الأملاح يحتاجها جسم الإنسان، فهناك ملوثات يعمل على إزالتها هذا الفلتر، والفلتر الطبيعي خالٍ من أي آثار جانبية لأنه مكون من نباتات طبيعية ولا يتكون عليه أي نوع من البكتيريا، بينما الآخر العادي يقضي على الملوثات كيميائيًا ويجعل المياه صافية، ولكن تتكون عليه طحالب لذلك يتم تغيير الشمعة باستمرار.

مستقبل البحث

وتضيف المدرس بقسم النبات، أنه من الممكن تطبيق تجربة فلتر الطبيعة على محطات المياه الكبرى من خلال وضع سائل “مستخلص النباتات” في المياه، بنسب معينة مثل الكلور في المياه، لتقليل نسبة البكتيريا المنتشرة في المياه كمكافحة بيولوجية، في حالة تبني المصانع تطبيق التجربة بشكل عملي.

الوسوم