عنوان الشهر.. السهرات الرمضانية عادة تغيب بسبب كورونا|صور وفيديو

عنوان الشهر.. السهرات الرمضانية عادة تغيب بسبب كورونا|صور وفيديو السهرات الرمضانية تغيب عن رمضان هذا العام
كتب -
شارك في الملف: أبو المعارف الحفناوي، أسماء عطا، أبو الحسن عبدالستار، محمد مكي، محمد أسعد، فاتن الخطيب، أسماء الفولي

جاء شهر رمضان المبارك هذا العام في ظروف استثنائية، إذ تأثرث العديد من مناحي الحياة، وأصبح التعاطي مختلفا مع الكثير من العادات الاجتماعية وإقامة السهرات الرمضانية ، في ظل الإجراءات الوقائية والاحترازية بعد انتشار فيروس كورونا والتعليمات الصحية، وسط التزام مجتمعي بضوابط السلامة التي حددتها الجهات الرسمية وتوجيهاتها.

وتُعدّ السهرات الرمضانية من الطقوس الاجتماعية المميزة في شهر رمضان، حيث تقام لغايات متعددة؛ فمنها ما يقدّم وجبات إفطار مجانية للمحتاجين والفقراء أو حتى المتأخرين عن منازلهم بتمويل من جمعيات خيرية أو من فاعلي خير، وتلاوةالقرآن في دواوير العائلات، والتزاور بين الأهل وصلات الأرحام والأصدقاء.

ولاد البلد يرصد فيما يلي كيف أثرت أزمة فيروس كورونا على السهرات الرمضانية في العديد من مناطق الصعيد.

الأقصر

منذ عقود اعتاد الأهل والمحبين على التجمع خلال شهر رمضان في ديوان عائلة البتايتة بقرية العضايمة التابعة لمركز إسنا جنوبي الأقصر، للاستمتاع بالأجواء الرمضانية المختلفة، مثل قراءة القرآن والمدح والإنشاد الديني، فضلا عن تناول بعض الحلويات والمشروبات الرمضانية، لكن هذا العام بسبب تفشي جائحة كورونا، أُغلق الديوان لأول مرة في رمضان منذ سنوات عديدة.

يروي العمدة ضياء البتيتي، عمدة قرية العضايمة، إنه توارث تلك العادة من والده وجده، حيث كانوا في كل رمضان يفتحون ديوان العائلة لاستقبال الأهل والمحبين، للاستمتاع بالأجواء الرمضانية، فعقب صلاة التراويح، تبدأ السهرات الرمضانية، حيث قراءة القرآن الكريم ثم المديح النبوي.

ويتابع البتيت حديثه عن ذكريات السهرات الرمضانية في الأعوام الماضية، قائلا: كانت هناك مبارزات شعرية في فن الواو، ولعب العصا على أنغام المزمار الصعيدي، وتناول الحلويات الرمضانية والمشروبات والعصائر، وتتجمع كل فئة مع بعضها، فالشباب مع الشباب والكبار مع بعضهم البعض ورجال المصالحات كذلك، وتستمر تلك السهرات خلال شهر رمضان.

ديوان عائلة البتايتة
ديوان عائلة البتايتة

ويشير العمدة ضياء إلى أن أكثر ما كان يميز السهرات الرمضانية، هو استغلال الأجواء المباركة السعيدة في عقد المصالحات ورد المظالم وجمع التبرعات من الأهالي لإعانة فقراء القرية، ويوم العيد نقوم بذبح عجل لتوزيعه على الفقراء، وأيضا بعض المواد الغذائية مثل السكر والزيت والدقيق.

وبصوت يكسوه الحزن، لانقطاع السهرات الرمضانية، بسب تفشي كورونا، يقول: لأول مرة لا أشعر برمضان، هذا العام فلا مساجد تصدح بالقرآن ولا صلاة تروايح وتهجد ولا سهرات وسمر مع الأهل والأحباب، فالجو العام كئيب، فالديوان مغلق يكسوه التراب، والذي كان في رمضان لا يخلو من الناس ليلا ولا نهارا.

ويذكر البتيتي أنه حتى زيارات المقابر والأضرحة خلال العيد مُنعت، بعد اجتماع مع رئيس الوحدة واتخذنا قرارا بمنع الخروج إلى المقابر والأضرحة والتي تتسب في الزحام وهي عادة سنوية كل عيد، أيضا بذلنا مجهودا كبيرا مع كبار رجال القرية في منع التجمعات في القرية عن طريق التوجيه والتوعية، ورغم أنني أملك صلاحية الضبط القضائي إلا أنني عادة لا أستخدمهم إلى في حالات استثنائية فالكل هنا أهلي والشباب في قريتنا يوقرون الكبار ويسمعون كلامهم، والحمد لله قريتنا لم تسجل إصابات تذكر بفيروس كورونا.

طقوس رمضان في قنا
دشنا

نجح فيروس كورونا المستجد، في منع العادات الاجتماعية والدينية المألوفة في رمضان خلال الأعوام السابقة، لتغيب عن مدينة دشنا أفراح الشهر وطقوسه الليلية.

يقول العمدة حجازي فخري، عمدة قرية فاو بحري، إنه قبل وباء كورونا المستجد كنا نستعد لاستقبال شهر الصيام  ابتهاجا واستعدادا لاستقبال شهر الصيام، الذي تكثر فيه الولائم واستقبال الضيوف على مائدة الإفطار أو حتى للتسامر بعد صلاة التراويح، أما الآن بعد انتشار فيروس كورونا أصبح من الصعب ذلك، ومائدة الإفطار ستقتصر على أفراد الأسرة الواحدة.

ويضيف عمدة فاو بحري أن ليالي شهر رمضان تشكل مظهرًا مختلفا، حيث نتجمع طوال الشهر الكريم، بهدف التسامح والمودة، وحل الخلافات البسيطة، التي قد تنتج بين المواطنين وبعضهم البعض.

ويشير العمدة حجازي إلى أن بعد قرارات الدولة في اتخاذ الاجراءات الاحترازية بمنع التجمعات في قرية فاو بحري، وخصوصا دوار العمدة يشهد لأول مرة منذ 30 عاما بإلغاء السهرات الرمضانية وغلق أبواب الدوار في شهر رمضان وعدم استقبال للأهل والأحبة في الشهر الكريم، بسبب انتشار فيروس كورونا.

ويوضح أنه بعد إلغاء السهرات الرمضانية قررت استغلال الأموال التي كانت تنفق في السهرات الرمضانية وتجهيز شنط رمضان وتوزيعها على العمالة غير المنتظمة بقرية فاو بحري بمركز دشنا شمالي محافظة قنا، والمتضررين من جائحة كرونا حرصا علي مساعدة الأهالي الذين تتضروا من فيروس كرونا المستجد.

الوقف

لأول مرة منذ عام 1940 اختفى صوت القرآن الكريم خلال شهر رمضان، من ساحة “البهايجة” في مركز الوقف، شمالي محافظة قنا، بسبب فيروس كورونا، حيث توقفت السهرات الرمضانية التي كانت العنوان الأبرز لعائلة “البهايجة” طوال الشهر المبارك، واستجابت للتعليمات الصادرة للحد من انتشار الفيروس.

عنتر أبو عايد، شيخ ناحية البهايجة، أكد أن السهرات الرمضانية، كانت هي الحدث الأبرز لعائلة البهايجة طوال أيام الشهر المبارك، طوال الـ80 عامًا الماضية، حيث كان الأهالي يقومون بإحياء شعائر شهر رمضان بتلاوة القرآن طوال ليالي الشهر، لافتا إلى أنه كان يتم التعاقد مع أحد المشايخ لتلاوة القرآن الكريم في دوار العائلة، وكانت العائلات المجاورة تحضر بشكل يومي إلى تلك السهرات.

ويضيف أبو عايد، أن السهرات الرمضانية كانت فرصة لإزالة الخلافات بين أفراد العائلة، حيث يجتمع الجميع، ويتم الصلح بين المتخاصمين من أفراد العائلة، مشيرًا إلى أن رمضان هذا العام اختلف كثيرا، بسبب فيروس كورونا، حيث اقتصر الوضع على التقاء عدد قليل من أبناء البهايجة داخل ساحة العائلة، بسبب المخاوف من انتشار فيروس كورونا، مؤكدا أن البهجة والفرحة غابت بين الناس بسبب الفيروس.

ويؤكد أن أفراد العائلة يحرصون في شهر رمضان على التواجد طوال أيام الشهر الكريم في الساحة التي يرجع تاريخها لـ1866، لإقامة الشعائر الدينية والصلوات بالمسجد الملحق بالساحة، بالإضافة إلى إقامة موائد الرحمن، مشيرًا إلى أن جميع تكاليف السهرات الرمضانية من الجهود الذاتية لأفراد العائلة.

ويشير إلى السهرات الرمضانية كانت تبدأ بقراءة ما تيسر من القرآن الكريم ثم يليها عرض لمشكلات المتخاصمين لحلها إن وجدت، يتخللها عرض قضية معينة سواء اجتماعية أو سياسية لمناقشتها وسماع الآراء المختلفة حولها، وتنتهي الليلة بقراءة ما تيسر من كتاب الله عز وجل.

ويتابع شيخ نايحة البهايجة، أن تعليمات الصحة، ومجلس الوزراء بتوخي الحذر من انتشار الفيروس استجاب لها جميع أفراد العائلات، ولم يتم إقامة أي سهرة من سهرات رمضان، مؤكدا أن الأهالي تقبلوا الأمر بصدر رحب، حيث اقتصرت السهرات على عدد قليل من الأهالي.

نجع حمادي

وفي نجع حمادي، كان العمدة عزت نظير، يفتح ديوانه يوميًا، لاستقبال الأهل والأقارب، عقب صلاة التراويح، للجلوس سويًا للم الشمل، كعادة قديمة ورثها عن والده وأجداده، منذ سنوات طويلة، إلا أن كورونا هذا العام، قضت على هذه العادة، وأغلقت المنادر والدواوين التي كانت عامرة بأهلها.

يقول العمدة عزت، إن السهرات الرمضانية ضمن أشهر المظاهر في رمضان، فعلى الرغم أن فكرة التجمع العائلي والترابط الأسرى يتميز بها الصعيد وتطغى على العائلات  والقرى في جميع المناسبات إلا أنها تتوطد وتصبح عادة لا يمكن الاستغناء عنها في شهر رمضان الكريم.

ويوضح أن ذلك يظهر بشكل كبير في حرص العائلات على التجهيز للسهرات قبل دخول رمضان لتتحول بعد ذلك دواوين العائلات أو ما يعرف بالـ ” المنادر” إلى مجالس عائلية وحلقات نقاش، واستماع ،وصلة رحم، ومصالحات، وكانت تعتمد هذه السهرات على الجوانب الروحانية، والمبادئ الدينية بشكل رئيسي فتقام بها المصالحات بين المتخاصمين تطبيقا لمبادئ الإسلام في صلة الرحم.

ويتابع: “كذلك تعقد فيها حلقات النقاش في المشكلات والعوائق التي تواجه العائلة، في مكان كان يسوده تلاوة القرآن الكريم، إلا أن هذا العام تغير كل ذلك بسبب أزمة كورونا، التي من ضمن توصيات منظمة الصحة العالمية للحد من انتشار هذا الفيروس منع التجمعات”.

ويضيف العمدة عزت، أن رمضان هذا العام كان مختلفًا، فلا يوجد صلوات في المساجد، وإقامة الشعائر والعبادات هناك، ولا يوجد مراسم لصلة الرحم مثل العزومات والسهرات الرمضانية، التي كان فيها جميع أفراد العائلة يجلسون للاستماع للقرآن الكريم، والوعظ، ويتدارسون لكتاب الله، ثم يتناقشون في الناحية، السياسية، الاقتصادية، والاجتماعية، والالتزام بمبدأ واحد وهو مبدا التسامح مع بعضهم البعض، ولكن كل شيء تغير تمامًا، ولكن بالرغم من كل ذلك فإن روحانيات الشهر الكريم هي التي بقت في النفوس.

قوص

كانت بعض العائلات في قوص تحيي السهرات الرمضانية كل عام، ولكن حلت عليهم جائحة كورونا مما اضطروا لإلغاء تلك السهرات التي كان يتجمع فيها كثير من الأفراد يستمعون لآيات من الذكر الحكيم وبعض التواشيح والأناشيد الدينية والأحاديث النبوية الشريفة.

حزن عبد الرحمن عبد الحكم الديب، ابن عمدة قرية المسيد بقوص حزنًا كثيرًا على إلغائه للسهرة الرمضانية التي تقيمها الأسرة منذ أكثر من خمسين عامًا، بسبب إلغاء التجمعات كإجراء احترازي للوقاية ضد فيروس كورونا.

ديوان عائلة الديب بقوص
ديوان عائلة الديب بقوص

يقول عبد الرحمن، إنه تربى على تلك السهرات الرمضانية منذ صغره، حيث كان القارئ يأتي إلى ديوان عائلة الديب قبيل المغرب، يتلو آيات من الذكر الحكيم ويفطر المغرب في المائدة التي يتم إعدادها في الديوان طوال شهر رمضان الكريم، ثم يصلون صلاة المغرب في جماعة، ثم يستريحون قليلًا استعدادا لصلاة التراويح.

ويكمل أنه بعد الانتهاء من صلاة التراويح، نتجمع أفراد العائلة والعائلات الأخرى، والأصحاب من الأماكن الأخرى والجيران، ويقرأ علينا القارئ ربع من القرآن الكريم، نستمع إليه حتى فترة السحور.

ويذكر العمدة أن يخيم عليه الحزن كثيرًا، بسبب إلغاء السهرة الرمضانية التي كنا نقيمها يوميًا طوال الشهر، ولكن تم إلغائها بسبب فيروس كورونا، حفاظًا على أرواح المواطنين.

ويشير إلى أن فيروس كورونا قضى على تلك السهرة التي كنا نستعد لها قبل بدء الشهر الكريم، وكنا نفرح كثيرًا بإقامتها على الرغم من الجهود الكبيرة التي نبذلها فيها، لما فيها من فرصة لزيادة الروابط والصلات بالجيران والأصدقاء والعائلات المختلفة وزيادة المودة والمحبة بيننا.

ويحكي العمدة أن جده عربي الديب أول من بدأ تلك السهرة في القرية منذ أكثر من خمسين عامًا، كان يهتم بها، ويحرص على إقامتها كل عام في رمضان.

ولم تتوقف السهرة الرمضانية بوفاة جده عربي، بل أكمل المسيرة عمه عبد الفتاح، ووالده عبد الحكم، ثم الأحفاد في الفترة الحالية، قائلا: كنا نعمل مع شباب العائلة لنكمل مسيرة السهرات الرمضانية ومائدة الرحمن التي تم إلغاؤهما هذا العام بسبب كورونا”.

أسيوط

لم تكن قريعة المطيعة التابعة لمحافظة أسيوط أفضل حالا من باقى قرى الصعيد، بعدما غابت عنها سهرات رمضان تلك العادة القديمة التي توارثتها الأجيال في هذه القرية، والتي حال كورونا هذا العام دون إقامة شعائرها.

فراج إسماعيل، من قرية المطيعة، عائلة آل مفتاح، يروى تفاصيل عن تلك العادة وعن عائلته قائلا: ” يعود تاريخ آل مفتاح بالمطيعة إلى مئات السنين ومن أولاده الشيخ مناف وكان شيخ بلد مثقف ورجل أزهري وكان لديه كتابا يجمع فيه سيرة جميع عائلات المطيعة بالتفصيل”.

فراج إسماعيل
فراج إسماعيل

يستأنف حديثه: قديما كانت الاحتفالات برمضان مختلفة فكان بالبلدة رجال منحهم الله الصوت العذب وكان الرجل منهم يدخل إلى المسجد ويبدأ في إلقاء تواشيح وابتهالات بين الصلوات وقبل المغرب بعشرة دقائق، ولكن مع الأيام اندثرت تلك العادة وكذلك كانت هناك عادة تزيين الشوارع التي كانت تمير القرية كانت كل “رهبة” والمقصود بها ما يشبه الحارة تُعلق أعلاما لها أشكالا وألوانا مميزة وزينات كبيرة الحجم حتى توقفت منذ عشر سنوات مضت وصارت الزينة الحديثة.

يتابع: سهرات رمضان عادة قديمة لعائلات القرية وقبل ثلاثين عاما مضت كانت السهرات تبدأ من الإفطار حتى السحور، ويتم الاتفاق مع شيخ لقراءة القرآن والابتهالات وتحضير إفطار جماعي يجمع الأهل والعائلة والمحتاجين من أبناء البلدة فتُقدم وجبة إفطار ومشروبات مختلفة ويستمر الطعام والشراب من الإفطار حتى السحور، ولكن بعد ذلك اقتصرت السهرات على السحور وتقديم المشروبات فقط.

ويكمل: قبل كورونا كانت تجتمع كل عائلة “وتسهر قدام بيتها” أو في مضيفتها وكان يتم تقسم العائلة بحيث كان كل بيت من العائلة يتحمل نفقة ثلاثة أيام من أيام السهرة التي تستمر 30 يوما وكل عائلة تستدعى شيخا لسهرتها حتى إن بعض المشايخ عُرفوا بأسماء العائلات لأنه صار القارئ الخاص بها.

وعن أسباب إقامة السهرات يوضح فراج أن الهدف الأول هو الاستماع للقرآن الكريم ويليه إطعام الفقراء ويليه زيادة التقارب والترابط الاجتماعي، والاحتفال بالشهر الكريم والتقارب بين أبناء العائلة أنفسهم أيضا، فالسهرات تدخل البهجة على نفس الفقير وتزيد أواصل الترابط حتى بين أبناء العائلة الواحدة “كانت بتجمع العيلة الواحدة اللي مبتتجمعش أبدا”.

ويشير إلى أنها كانت تعمل أيضا على التقارب بين عائلات القرية بالكامل وهناك عادة نتبعها وهي أن مجموعة من شباب عائلة يذهبون لحضور سهرة لدى عائلة أخرى بحيث يتم تبادل زيارات السهرات بين العائلات من أبناء العائلات المختلفة، ولكم كان لهذا الأمر أثره العظيم في التواصل والترابط ومردوده الإيجابي.

ويوضح أن العائلات التي بينها وبين بعضها ثأر ودم كانت تُنحي الدم والخلاف جانبا في رمضان، وتجمعها السهرات الرمضانية، فالجميع يحترم قدسية الشهر الكريم، فنحن نتعامل مع تزاور السهرات كنوع من الواجب الاجتماعي، ولا يقتصر الأمر فقط على الزيارة بل إن السهرات تتحول لمكان نقاش وتبادل علم ومن لديه معلومة في علوم الدين ومن أهل علم  تتاح له الفرصة لتقديمها في السهرة ويقدم خطبة.

ويؤكد أن السهرات جزء لا يتجزأ من أهل القرية وعادة قديمة لا يمكن الاستغناء عنها، ولكن اضطررنا هذا العام لوقفها نظرا لظروف كورونا وكان مكان تلك السهرات إما سرداق أمام منزل العائلة أو بداخل مضيفة كبير العائلة، واشتهرت عائلات عدة بإقامة السهرات في المطيعة، مثل بوابة بيت نص، بوابة الشيخ محمد علي أبوشوشة، بوابة بيت قاسم، بوابة بيت العمدة، بوابة بيت خلاف، بوابة الشوايحة وبوابة العفدري. 

“كأن مفيش رمضان”.. هكذا لخص فراج إحساس أهل البلدة بعد وقف السهرات الرمضانية معلقا: “افتقدنا روحانيات الشهر الكريم وافتقدنا تجمع وتقارب الناس والأهل، واضطررنا هذا العام لاستبدالها بإخراج مساعدات للفقراء ولكن بشكل ق فردي يقدمه كل فرد بمفرده”. 

الغنايم

اعتادت معظم عائلات مراكز وقري الصعيد على احياء السهرات الرمضانية بالقرآن الكريم والإنشاد الديني بمندرة العائلة وسط روحانيات تنتظر من العام للآخر من بينهم عائلة أولاد عبدالراضي بالغنايم جنوبي محافظة أسيوط.

ومنذ أكثر من قرن مضي اعتادوا على إحياء السهرات الرمضانية بتزين مندرة العائلة بالأنوار وكأنها معدة لعرس دائم طوال شهر رمضان المبارك، والتي تبدأ باستقبال معازيم الإفطار من الأهل والأحباب والأصدقاء، من خلال تقسيم الأيام على أبناء العائلة بحيث يتولي رب كل أسرة اليوم بكامل تجهيزاته من إعداد وتحضير الوجبة مع التمور والعصائر والمشروبات المختلفة.

وعقب الإفطار والصلاة تبدأ السهرة القرآنية حتى الواحدة بعد منتصف الليل، وقديما كانت تمتد لتشمل السحور، ومن ثم صلاة الفجر ثم العودة للمنزل، ويبدأ من عليه الدور منهم في إعادة الكَرة مرة أخرى من التجهيزات اللأزمة.

يقول علي صديق، 59 عاما: ورثنا هذه العادة عن والدي الذي ورثها عن والده، من أكثر من 100 عام، من أول يوم رمضان وتبدأ تتوافد المعازيم قبيل الإفطار بلحظات ويولي المقتدر ماديًا التجهيز إلى طباخ وعامل للشاي في العزومات الكبيرة، ويبذل أقصي جهده في اليوم لأنه شهر كريم ومبارك ونفحاته عظيمة وسط جو من الألفة والأطفال تلهو “وكأننا في فرح”.

وبنبرة شجن ومعالم حسرة وحزن على وجهه يبدأ حديثه عن رمضان هذا العام، داعيًا الله أن يرفع الوباء والبلاء عن البلاد، ثم يقول “من بعد كورونا “شيء يحزن” داخل المندرة “مفيش غير صوت الزرزور” واضطرينا لقطع عادة الآباء والأجداد، ويؤلمني كثيرًا رؤية المندرة التي كانت تكتظ بالأقارب والأحباب والمشايخ الكرام تكاد تخلو من معالم الحياة فبعدما كانت تنظف وترش بالمياه يوميًا لم يعد أحد يدخلها إلا نادرًا”.

 بينما يفتقد الشيخ يوسف محمد، والذي يحيي سهرات العائلة منذ أوائل التسعينات، -لأول مرة هذه العام- بقراءة القرآن وسط تجمعات السهرة الرمضانية لأولاد عبدالراضي بالغنايم إلى أن أصبح من أشهر قراء البلدة، بجانب عمله كوكيل مدرسة، وكان لهذه السهرات النصيب الأكبر في ذياع صيته مع عذوبة صوته حتى بات يطلب للتلاوة في الأفراح والعزاء.

ويلفت يوسف إلى أنه لا حيلة له غير الدعاء إلى الله لعودة الحياة الطبيعية، ومن ثم الليالي القرآنية وسط جمع من الناس من مختلف الأعمار، قائلًا: “فيروس كورونا حرمنا من أفضل عادتنا”، ولكن الضروريات تبيح المحظورات.

 

 

الوسوم