حوار| الدكتورة ثناء هاشم: السينما دأبت على تشويه صورة المرأة العاملة

حوار| الدكتورة ثناء هاشم: السينما دأبت على تشويه صورة المرأة العاملة د. ثناء أحمد هاشم، مدرس السيناريو بالمعهد العالي للسينما- من المصدر نفسه

الدكتورة ثناء أحمد هاشم، مدرس السيناريو بالمعهد العالي للسينما، واحدة من أهم المثقفات المصريات قبل أن تكون متخصصة في كتابة وتدريس السيناريو، وهو ما يعني أنها تمسك بتفاصيل معمقة وتحليلات لوضعية السينما والدراما وعلاقتهما وتأثيرهما على المجتمع المصري بأطيافه وخاصة المرأة العاملة وهو ما تناولته في جزء من رسالة الماجستير “صورة المرأة المهمشة في السينما من منظور البناء الدرامي من الثلاثينيات وحتى التسعينيات”.

تتحدث “هاشم” في هذا الحوار المطول عن التأثيرات المباشرة وغير المباشرة للسينما والدراما على المجتمع وتحلل المرحلة التي تمر بها الدراما المصرية، وتضع تفسيرات لتهميش المرأة في السينما والدراما والعديد من القضايا المهمة الأخرى.

*ما نراه من صورة للمصريات في السينما أو الدراما هل هو انعكاسًا للواقع؟

بالطبع أي نمط أو نموذج نسائي نراه على شاشة السينما له صلة وجذر بالواقع لكنني أتحسس من تلك الأفكار التي تحاول أن تتعامل مع السينما على إنها وسيلة أو وسيط لنقل أنماط البشر حرفيا، السينما تفهم الواقع وتعيد بناءه ومن ثم هناك مئات النماذج من الأفلام قدمت عشرات وعشرات من النماذج، لكنها أعملت بها بعض الخيال. وهناك أفلام قدمت نماذج بدت للمتفرج حقيقية جدا، وهناك نماذج تم تشويهها، وبالطبع كلما شعر المتفرج أن الشخصية حقيقية ومن لحم ودم كان أفضل.

*الظاهر أن هناك جهودًا كبيرة من الدولة لتمكين المرأة سياسيًا واقتصاديًا.. هل تسير الدراما في هذا الاتجاه؟

مفهوم تمكين المرأة كمصطلح حديث نسبيا، إذ إن السينما بدأت تعرض لنماذج هامة وقضايا جادة تهم المرأة منذ فترة الستينيات، فترة النصوع والوهج الكبير للسينما المصرية، فاستعانت المؤسسة العامة للسينما بكبار كتاب الأدب لصنع أفلام مهمة تدعمها الدولة فشاعت روايات إحسان عبد القدوس ويوسف إدريس ونجيب محفوظ ولطيفة الزيات وغيرهم.

فقدمت نماذج مغايرة لتلك النماذج السلعية الخفيفة من مغنيات وراقصات وفتيات الساعيات وراء الحب والمحبوب أو فتيات مظلومات ضعيفات منسحقات في إطار “ميلودرامي” بسيط وساذج في فترتي الأربعينيات والخمسينيات، لنماذج قوية محملة بقضايا أخرى مهمة مثل الحرية وتحقيق الذات فيلم “أنا حرة” من إخراج صلاح أبو سيف، والمرأة والكفاح الوطني مثل “الباب المفتوح” و”لا وقت للحب” و”جميلة أبو حريد” والمرأة الريفية التي يسحقها الفقر كالحرام وغيرها.

ثم حدثت ردة فى فترة السبعينيات في صورة المرأة على الشاشة بعد انتهاء الحرب وغياب المشروعات الوطنية الكبرى وتغيير التركيبة المجتمعية في هذه الفترة، وإن كانت هناك بعض النماذج الجيدة، مثل الإبن الضال ليوسف شاهين.

ثم بدأت تظهر بعض الأفلام الموجهة مثل “أفواه وأرانب” وإن لم تتغير هذه الصورة تماما إلا فى الثمانينيات، حيث اختفت نوعية القضايا الحالمة الكبرى التى قدمتها سينما الستينيات، وظهرت أنماط جديدة مأزومة بقضايا أخرى لها علاقة بالوضع الاقتصادي الصعب والاجتماعي المتدهور الذي ظهر بعد الهجرة للخليج وتغيير المنظومة الاجتماعية والاقتصادية، فظهرت أفلام أيام في الحلال (قضايا المطلقات) والقانون لا يعرف عائشة و”أريد حلا” ثم بطلات أفلام الموجة الواقعية الجديدة مثل “الحب فوق هضبة الهرم” و”أحلام هند وكاميليا”.
أما منذ التسعينيات وحتى الآن فلا أعتقد أن هناك شىء حدث له قيمة في مسألة تمكين المرأة وتقديم نماذج مهمة لصالحها لظروف السينما وانهيار الصناعة وتحول السينما للموجة الكوميدية الهزلية والأفلام منخفضة التكاليف.

*الدراما بأنواعها تشكل وعي المشاهد وتعاطيه للقضايا المختلفة.. ما التأثيرات على المجتمع المصري من صورة المرأة في السينما والدراما؟

بالطبع هناك علاقة تبادلية بين الواقع والسينما، كلاهما يؤثر في بعضهما البعض، السينما تؤثر في الواقع وتنمطه مثلما يحدث العكس. مثلا دأبت السينما كثيرا على تشويه صورة المرأة العاملة أو العصرية بكونها مسترجلة ومهملة لبيتها وليس لديها قيم ربة البيت التى لا تعمل وتتفرغ لأطفالها وزوجها حتى تبنى المجتمع، هذه القيم برغم أن الواقع يدحضها تماما فغالبيتنا ربتنا أمهات يعملن، وكن أكثر وعيا واتصالا بحياتنا بشكل إيجابي ربما أكثر من الأمهات اللاتي لا يعملن.

كذلك المرأة الشعبية تعتمدها السينما بشكل مغاير عن الواقع، ومثلما تنطلق السينما في أنماطها من الواقع الحي وتنهل منه يتأثر الواقع بإلحاح السينما على أنماط معينة، ولا نستطيع أن ننكر أننا في أحايين كثيرة نطمئن ونعتنق هذه الصور المبالغ فيها بل ونحاكيها ونستنسخها في واقعنا.

*صورة المرأة الصعيدية المثيرة للتندر أصبحت غير ملائمة للواقع وتحدياته.. تكريس هذه الصورة هل هو عدم إلمام بالمتغيرات أم تنميط من كتاب السيناريو؟

صورة المرأة الصعيدية أو الريفية بشكل عام ظلت لفترة طويلة تخضع للقولبة أو مايسمى الكلاشية، وليست المرأة فقط بل الرجل أيضا منذ كشكش بيك عمدة كفر البلاص التي قدم بها نجيب الريحانى نفسه في مطلع القرن العشرين وحتى الآن، فالريف مثلما هو مهمل من الدولة مهمل من صناع السينما أيضا ويمكننى القول أن المرأة الريفية برغم ما تعاني من فقر وأعباء وإهمال ظلت لفترة ما بعيدة عن تقاليد الطبقة الوسطي المدنية التي تكبل المرأة وتفرض عليها ألف قيد وقيد، ببساطة لأنها تعمل مع زوجها يد بيد في البيت والحقل، لأنها امرأة منتجة فهي سيدة الدار ومركز دورانه.

ولم يصب المرأة الريفية ما أصابها من تهافت إلا بعد دخول المد الديني الوهابي الريف ودخول التكنولوجيا للبيوت والتي أفقدت المرأة الريفية مكانتها وصولجانها وهناك أفلام قليلة تناولت الريف بزوايا مختلفة جادة، مثل فيلم “الحرام” في الستينيات أو “خرج ولم يعد” في الثمانينيات والذى وضع الريف ببكارته أمام المدينة بقبحها وقسوتها، وفيلم “خريف آدم” الذى ناقش ضلوع المرأة بقوة في حفز ظاهرة الثأر.

*كيف نصنع دراما تؤلب على شراكة حقيقة للمرأة في التنمية وتحقق عائد للصناع؟

نحن في مرحلة حرجة ودقيقة تعاني منها السينما والدراما التليفزيونية من عوار واضح؛ فرص إنتاج ضئيلة واحتكار للإنتاج من جهات بعينها واحتكار للمواهب وتوجيه معيب للمحتوى الدرامي، الصناعة بأكملها منهارة والوضع غير طبيعي، ولا أحد يريد أن يغامر بعمل فيلم اجتماعي لا على غرار “أريد حلا” ولا غيره، الجميع يلجأ لوصفات جاهزة ومعادلات ربحية دمرت صناعة السينما منذ فيلم “إسماعيلية رايح جاي” وحتى الآن. وبرغم أن شباك التذاكر لم يعد هو البطل في ربح المنتج، إذ إن بيع المنتج لفيلمه للمحطات التليفزيونية أصبح يغطيه ماليا، لكن مازالت نغمة الجمهور (عايز كده) مستمرة كصدى صوت أجوف لا ينتهي.

لابد أن تسهم الدولة في عودة إنتاج أفلام مهمة بلا تدخل رقابي أو توجيه للمحتوى، وأن تسهم في دعم المنتجين وصناع السينما الذين يودون إنتاج أفلاما غير تجارية صرفة من خلال كياناتها الفنية والثقافية، وأن نعيد للمتفرج تقديره للفن وصناعه، المتفرج يدرب على الفرجة ولا يرفض الأعمال الجادة كما يظن به، السينما هي ذاكرة أي أمة ولن تحل محلها الدراما التليفزيونية مهما بلغت جودتها، هي اللغة التي يفهم به العالم بعضه البعض فكيف نهملها ونغيب قضايانا ونكذب على أنفسنا فيما العالم كله يرتاب فيمن يكذب ولا يتحدث بصدق وشفافية عن نفسه بصرف النظر عن التقنيات واستخدام التكنولوجيا، هذا لا يهم العالم في شىء يهمهم البكارة والصدق والإبداعية الخالصة ولنا في السينما الإيرانية والصينية أمثلة وعبر.

نحن نمر بأزمات تجاوزت الفن وصناعه، وأصبح المتفرج ممزق ومثقل بحياته للحد أنه أحيانا غير قادر على مواجهة جراحه على الشاشة، علينا أن نجد صيغ جديدة وخلاقة للكتابة لكي نمرر للمتفرج الحقائق ولا نشاركه في تغييب ذاته لأن الأمر فى منتهى الخطورة

*ما أسباب قلة الأعمال الدرامية التي تجسد الشخصيات النسائية صاحبة الإسهامات في المجتمع المصري؟

بالنسبة للأعمال التي تتناول شخصيات نسائية من الأعلام والمفكرين والزعماء من النساء ليست قليلة في عالمنا العربي فقط وإنما على مستوى السينما العالمية أيضا وإن كان العالم الغربي يفوقنا بالطبع في العدد والسينما هنا ليست المدانة وحدها ولكن التاريخ أيضا مدان، فالتاريخ يكتبه رجال وتم إعادة نسخه وكتابته بالتعمية على أدوار عظيمة للنساء لصالح التاريخ الذكوري، بعض الدول راجعت نفسها وتاريخها وأنتجت أفلاما مهمة عن نساء كافحن ضد السلطات الدينية والسياسية مثل الفيلسوفة الجميلة إيجورا، والإمبراطورة الحمراء بروسيا وملكات بريطانيا وأميراتها وكاتبات مثل جين أوستن، وسياسيات مثل مارجريت تاتشر.

وفي مصر والعالم العربي جميلة أبو حريد وأم كلثوم في السينما والتليفزيون، وفي اعتقادي أن المجتمع لن يرفض هذه الأعمال لو قدمت ولكن العقل الجمعي لصناع السينما التى يسيطر عليها الرجال لا يعنى معظمهم هذا الأمر بالأساس وقلما تجد رجل مؤمن بدور المرأة أو حتى معترف به خارج نطاق بيتها سواء كان مواطن عادى أو مبدع، وبعضهم مؤمن في سريرته ولكنه يتحرج من الجهر به والمؤمنين بهذا الدور وقادرين في الوقت نفسه على إعلانه بالسلوك أو بتبنيه في الحياة، وفي السينما لو كان هناك عدد ضئيل مبدع فهذا العدد الضئيل ينتج بالضرورة أفلاما ضئيلة بحكم عددهم.

فضلا عن كون هناك عائلات ترفض الحديث أو التصريح بعمل فيلم عن نساء رائدات تخصهم مثل عائلة “روزاليوسف” خوفا من الإساءة لشخصها كامرأة بصرف النظر عن قيمتها فى العمل العام، وعموما أفلام السيرة الذاتية فى سينمانا المصرية والعربية يشوبها قصور وعوار إذ إن المبدع مكبل بألف محظور ومحظور، سواء كان الحديث عن رجل أو امرأة، فلو لم تخرج صورة الشخصية عن كونها ملاك لا يخطىء تقوم الدنيا ولا تقعد فما بالنا لو كانت امرأة مثلما حدث مع مسلسل أسمهان.

*كيف ترين مستقبل المرأة العاملة في مصر وفق آخر المستجدات؟

بالنسبة للمستقبل فأنا شخصيا أراه غائما من جهة ومبشرا من جهة أخرى، عمليا زاد عدد المخرجات والمؤلفات العاملات بالسينما والإبداع، لكن الظروف الاقتصادية والسياسية التي طحنت الجميع رجالا ونساء جعلت الانتماء للقضايا النسوية رفاهية، باستثناء أفلام قليلة لعل أبرزها فيلم نوارة الذي حمل اسم بطلته، وإن كان تناولها جاء كنموذج مهمش ومحبط.

ومنذ التسعينيات ونحن فى ردة غريبة أعادتنا لما قبل ستينيات القرن الماضى فبعد أفلاما طليعية مهمة اهتمت بقضايا المرأة في فترات سابقة قدمت لنا السينما فيلما كتيمور وشفيقة تختار فيه وزيرة بيتها على حساب طموحها وتنتصر للزوج مقابل الطموح وهو أمر يدعو للتأمل، ولكن أعتقد أن فتيات هذا الجيل أكثر شجاعة وتحررا من الثلاثة أجيال السابقة لهن واللائي عشن فترة حالكة سيطر فيها الفكر الديني الوهابي الرجعي الذي بدأ منذ السبعينيات وحتى نهاية التسعينيات.

ولعل إسهام النساء في ثورتي يناير و30 يونيو ونزولهن بكثافة للانتخاب أعاد لهن الثقة في التأثير والتغيير، ولكن السينما لم تلتقط هذا التغيير بعد وفى رأيي أن المجتمعات والشعوب تسبق الفن أحيانا في التغيير ثم يستوعبه الفن ويفهمه ويبدأ في تغييره.

*هل تتعرض العاملات في الفن لانتهاكات؟

العاملات في الفن يتعرضن بالتأكيد لانتهاكات وابتزاز وإن كان التعميم غير دقيق، لكننى أرى أن هناك قطاعات أخرى تحدث بها هذه الانتهاكات بكثافة تفوق الوسط السينمائى، كالصحافة مثلا بحكم عملى فى المجالين، وفى مجالات أخرى لا علاقة لها بالفن يحدث ذلك، فبشكل عام كلما ضاقت الفرص وشحت مثلما هو الحال الآن، كلما تعاظمت هذه الأمور وصارت موجودة بقسوة وبوحشية.

*من هم الذين تجدينهم نجومًا في السينما مستقبلًا؟

لدينا أسماء جديدة مرشحة لأن يكن ويكونوا مهمين مستقبلا لو منحوا الفرص المناسبة وتمت رعايتهم وطوروا هم من أنفسهم جيدا، ولا أستخدم كلمة نجوم لأن النجومية أمر آخر تدخل فيه معايير غير محددة ومفاجئة تظل رهن ظروف معينة وربما تحمل فى طياتها أحيانا ملامح لا يمكن تفسيرها أو سحبها على أى قاعدة.

لدى شباب واعدين جدا أدرس لهم السينما في أماكن عدة مثل معهد السينما والجامعة الفرنسية، ولدينا مخرجات ومخرجين لهم تجارب ثابتة مثل هالة خليل وكريم الشناوى وكاتبات شابات ولكن نظام العمل بالورش بات أشبه بالفن القوطى لا تعرف بالتحديد من النجم أو البطل، ولدينا ممثلات وممثلين جيدين ولكن يحتاجوا للعمل على أنفسهم كثيرا، وربما لأن المنظومة الفنية برمتها ضعيفة ومتهاوية فإن الحكم على الفروع غير دقيق وغير واضح فممثل جيد في عمل ردىء لن يفيده شيئا وهكذا.

من هي د. ثناء أحمد هاشم؟

ــ حصلت على ليسانس الآداب بجامعة الزقازيق ـ قسم الفلسفة.
ــ دبلوم إعلام من نفس الجامعة.
ــ بكالوريوس ودبلوم الدراسات العليا من المعهد العالي للسينما تخصص سيناريو.
ــ حصلت على الماجستير في الفلسفة في الفنون سنة 2011
ــ حصلت على درجة الدكتوراه في ذات التخصص في 2014
ــ أستاذ مساعد بقسم السيناريو بالمعهد العالي للسينما ـ أكاديمية الفنون.
ــ مدرس للسيناريو بالجامعة الفرنسية الأهلية بالقاهرة.
ــ مدرس للسيناريو والكتابة التلفزيونية بالأكاديمية البحرية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري
ــ كاتبة سيناريو
ــ متحدث دائم بإدارة التنمية المستدامة والتعاون الدولي بجامعة الدول العربية.
ــ كاتب وباحث بعدد من المجلات الثقافية المتخصصة
ــ مستشار فني للأعمال الدرامية المنتجة لبعض المحطات العربية.
ــ فازت بجائزة ممدوح الليثي بمهرجان الإسكندرية عن فيلم طويل سنة 2017
ــ رئيس لجنة التحكيم بمهرجان (كام) للأفلام القصيرة والتسجيلية في 2017
ــ شاركت في كتابة سيناريو وإدارة إنتاج العديد من الأفلام التسجيلية والقصيرة .

اقرأ أيضا:

سيدة البادية تفتح طاقة النور أمام نساء مطروح.. تجربة ملهمة لبدوية 

الوسوم