هرول مسرعا، منتشلا الطفل من حضن أمه، وأخذ يجري به إلى وحدة العناية المركزة بمستشفى الأطفال الجامعي في أسيوط، وقتها كان ابن عمي رضيعا يعاني من نوبة تشنجات شديدة، نتيجة لزيادة الشحنات الكهربية بدماغه.

الدكتور محمد ماجد، هذا الصديق، الذي باعدتني عنه السنوات، حيث كنت قد جمعتني به الأقدار في أيام الجامعة في أسيوط، خلال المنتديات والمعسكرات الطلابية، كان يتسم بالخلق القويم، والأدب الجم.

في يوم من الأيام، وبعد سنوات من التخرج، كان هو ما يزال في سنة الامتياز في مستشفى الأطفال الجامعي، ذهبت برفقة زوجة عمي وابنها الرضيع، لأنه يعاني من تشنجات شديدة، ولم أكن أتوقع أن أجده هناك، وما إن رآني حتى تبسم في وجهي، وسلم علي بحرارة، وسألني معاك إيه؟ فأجبته ابني عمي بتجيله حالة تشنجات، وبينما أتحدث معه، إذ داهمت النوبة الطفل، فخطفه من حضن أمه، وهرول به إلى العناية، لإنقاذ حياته، ولم يتركني إلا وقد طمأنني عليه بعد استقرار حالته.

لم يكن تعامل محمد ماجد، مع ابني عمي مفاجأة لي، بل كنت أتوقع منه ذلك، لأنه يفعل هذا مع من يعرفه ومن لا يعرفه، لأنه تربى على هذه الأخلاق، والآداب في أسرته وتعلمها من أساتذته الأفاضل في كلية الطب.

تذكرت هذه الواقعة، لدى قراءتي منشورا على “فيسبوك” يشير إلى مأساة طفلة شطورة، أريج أحمد حامد، التي فجرت بداخلي مشاعر دفينة من الحزن والأسى، تتلاطم أمواجها بصخرة الإهمال، لتنذر أولي الأمر بأن واقعنا الصحي يحتاج إلى إعادة نظر، وبخاصة المستشفيات المركزية والوحدات الصحية، التي هي عبارة عن هياكل من بنايات أسمنتية بلا روح، تعج بالإهمال، وعدم الاهتمام، إلا لمن له واسطة، فحتى المرض أصبح يعالج بالواسطة!

المأساة لخصها بوست نشره ناصر حمودة على صفحته على “فيسبوك” قال فيه نصا “إنا لله وإنا إليه راجعون لا نقول إلا ما يرضى ربنا إن على فراقك لمحزونون، قصه وفاة الطفلة أريج أحمد حامد بنت أخي من شطورة، وغياب الأطباء والمسئولين ولا يوجد أحد ينقذها بعد المرور بالإسعاف على مستشفى طهطا العام الساعة 2.56 دقيقة صباحا، ولكن لم يتم استقبالها نظرا لعدم وجود طبيب أطفال متواجد في هذا الوقت، وتم الاتصال بالدكتور مايكل دكتور الأطفال من قبل النوبتجى بالاسقبال العام ولم يحضر ووضعت على الأكسجين والمسعف قال إن سكرها 400 وإنها محتاجة إلى طبيب أطفال، وتم الاتصال بمدير المستشفى الدكتور محمد السيد فراج الساعة 3.9 صباحا وتلفونه مغلق حتى لا يتم الإزعاج له، وتم الاتصال برقم النجدة 122 الساعة 3.10 صباحا، وكان طلبي أننى أريد تحويلها إلى مستشفى سوهاج أو أسيوط الجامعي فكان الرد بأنه لا بد من وجود دكتور مرافق للحالة، وفى هذه اللحظات فارقت الطفلة البريئة الحياة”.

وختم منشوره بقوله “حقها عند الله من يراقب ومن يحاسب”.

ومن هنا يجب أن يفتح في الأمر تحقيقا، لنعرف كيف وصل بنا الحال إلى عدم الاكتراث بحياة البني آدمين إلى هذا الحد؟ وكيف لا يكون هناك طبيب أطفال ونساء توليد وقلب وجميع التخصصات الطارئة في النوبتجية الليلية؟ وإذا كان الأطباء يسكنون على الورق فقط، دون الحضور الفعلي في نوبتجياتهم، فلماذا يتم السكوت على هذا الأمر؟ ولصالح من؟